القاهرة ـ 'القدس العربي': ظلت بعض المشاركات الفنية في بينالي القاهرة الدولي الحادي عشر والمستمر حتى العشرين من شباط (فبراير) القادم لافتة ومؤثرة، وكان بينها تلك المشاركة التي قدمتها الفنانة الأمريكية 'جينيفر ستاينكامب' التي مثلت المشاركة الرسمية للولايات المتحدة، وتصفها تمبرلي ماير وينزان شاكد قومسيرة الجناح الأمريكي بأنها فنانة رائدة من فنانات العمل المركب، واعتبرت أن عملها في القاهرة عمل مدهش.
واعتبرته عملا يستغرق المشاهد بالحركة عن طريق الكمبيوتر، فهي تستخدم إسقاط هذه الصور لطرح أسئلة فلسفية عن الإدراك والسياسات والوجود، وتقول ماير إن عمل 'ستاينكامب' يستعصي على التصنيفات القاطعة، إذ يمزج بين عدة مؤثرات ثقافية، وأما مصادرها الرئيسية فتتضمن فن التحريك التجريبي، والأشكال الطليعية البنيوية في السينما، والفن الشعبي والمذهب النسوي ومذهب الحد الأدنى وحركة الضوء والفضاء في كاليفورنيا.
وتستكمل الدراسة التي وضعتها الناقدتان الأمريكيتان عن الفنانة بمناسبة بينالي القاهرة رؤية هذا العمل المبهر بالقول: إن فنون الاستغراق عند 'ستاينكامب' التي تضرب بجذورها في تأمل الزمان والمكان تستجيب للبيئات المعمارية التي تحيط بعروض أعمالها، وتؤدي الى تحويل جذري في الخبرة الحسية للمشاهد بالمكان وبإدراكه للواقع، وهكذا أيضا نرى على الجدران انفجارات كونية وضعت في أماكنها الدقيقة الى جانب تجريدات متموجة وأمواج متصاعدة ودوامات متحركة وأنسجة تراقد مثل أنهار الزئبق وزهور تتلألأ وتلمع وأشجار تتمايل في رياح مستحيلة، وكل صورة من صورها التي ثبت فيها حركة الحياة مخلوقة من الصفر، وتستخدم التكنولوجيات الرقمية دون الرجوع الى مصر، وما تشير إليه بعنوان 'صور من الطبيعة المصطنعة'، أعمال تؤدي الى التركيب الحاذق الغريب وفي الوقت نفسه الى التوفيق ما بين العلم والفن والثقافة الشعبية.
وتصف الدراسة العمل بأن أشجاره المرسومة رقميا تتمايل وتتأرجح على ايقاعات غير مسموعة ولا مرئية تدفعها نحو شيء منشود مجهول، وهذه الأشجار الغريبة ذات الحركة الرشيقة تلتوي ببطء ثم بسرعة، وتمد فروعها في جميع الاتجاهات، وتتمدد، ورغم ذلك تظل محصورة في دائرة آلية متغيرة الإيقاع، وتربطهم بالأرض أنظمة جذور غير مرئية، بينما جذورها وفروعها وأوراقها تلعب أدوارا معبرة في رقصة منظمة.
الأشجار يحييها فن التحريك بمعنى الكلمة، فهي خليط ينم عن موهبة فذة ما بين الرسم والحركة فنراها أشكالا بشرية نسقط عليها تخيلاتنا أو مخاوفنا أو الاثنين معا، فهذه الأشجار تشغل بالنا وهي مجهولة الظلال والأشباح التي ما فتئت تشعرنا بأن ما تراه أعيننا ليس كل الحقيقة، بل اننا نرى أكثر من الحقيقة.
أما عمل دراويش القاهرة 2008 والذي يعرض لأول مرة في بينالي القاهرة الدولي الحادي عشر فقد تم تركيب ثلاثة صور جنبا الى جنب مع فيديو ذي ثلاث قنوات، ويتم طرح الصور محاكاة للأشجار المتدروشة وكأنها تعرض على الحائط في ساحة مدينة القاهرة.
وتتناقض طبيعة الرسم السطحية المصطنعة حسب الدراسة مع معمار المدينة، فتلفت أنظارنا الى انقضاء الزمن عن طريق تصوير التفاعل ما بين القديم والمعاصر، وخلال عرض كل من الصور المركبة يتاح للمشاهد رؤية أشجار تتحرك في ثلاثة أنواع من الأماكن فأولا وفي الأساس الأشجار موجودة في المساحة التخيلية باعتبارها رسوماً رقمية، فهي زهور صناعية في مساحة الشفرات الرقمية التي لا يمسسها بشر، أما ثانيا، فعندما تنتقل هذه الأشجار الى حركة الفيديو، تحتل مكانا ثلاثي الأبعاد موجودا في الزمن، فالمكان المادي يضفي على الأشجار ايحاء مقلقا بالحياة، فيتيح لها إمكانية شغل الحجم الطبيعي المألوف لدينا، وفي نفس الوقت لديها طابع آلي مخيف، أما ثالثا فعند فرض الرسوم على صورة فوتوغرافية لمكان حقيقي تتواجد تلك الرسوم في المساحة المرئية لمونتاج الصور الرقمية، ويعتمد هذا المكان الأخير على ظروف يمليها الخيال، فهو غير مقيد بقيود الواقع ويزعم تغيير المكان الحقيقي، وفي الحركة التي أعدتها 'ستاينكاب' من أجل بينالي القاهرة، يتضح لنا أن أشكالها الرقمية تعبر بسهولة عن البعدين الأول والثاني من خطوط وأسطح، أما الزمان والمكان فيشلان البعدين الثالث والرابع.
وتضيف الدراسة أن عمل الدرويش يتميز بسمات عدة تميز معظم أعمال 'ستاينكاب'، فأولا يشير العنوان الى مدلولها الثقافي الموجود في هذا العمل، أما ثانيا فهو يروج للسلام كمثل أعلى، وثالثا نجد أن المقصود من دمج المكان الحقيقي مع التصوير التحريكي هو إطلاق تجربة جسدية مربكة وساحرة في نفس الوقت، فمثلا نرى أن العمل الذي يحمل عنوان جيمي كارتر '2002' وهو الاسم الذي أطلقته عليه تكريما للرئيس الأمريكي السابق، يقصد به استدعاء تركة السلام وقيم المساواة.
وقد استخدمت 'ستاينكامب' صورة الزهرة، وكثيرا ما يستخدمها الناس كرمز للسلام في صورة معروضة بالبروجكتور على الحائط، ذات طابع متلألئ يوحي بأن الحوائط فقدت طابعـــها المادي، ومثال آخر في هذا مثل عمل 'معضلة إينشتاين 2003' والذي يطرح أسئلة منطقية حول ما يفعله العلم، فيشير العمل الى الواقع التاريخي، حيث كان دور القوة العسكرية يقلق إينشتاين قلقا شديدا، وحذر العالم من المخاطر الكامنة في العلوم التطبيقية.
فهذا التركيب التحريكي حسب الدراسة ـ تنتج عنه انفجارات غير متوقعة تنذر بالسوء والتي يفجرها المارة أنفسهم، وبذلك تنادي بالمسؤولية الشخصية، أما الدرويش فأبدعته الفنانة بعد زيارتها لإسطنبول حيث كانت تعرض أعمالها وهناك احتكت بالدراويش وبتاريخهم وموسيقاهم وقصصهم وأخذ هذا العمل اسم طائفة من المتصوفين ناشدا نشر احترام الشرق الأوسط والإعجاب بممارسته الثقافية والروحانية.
أما سياق عملها درويش القاهرة فهو الاهتمام الأمريكي بالصوفية والذي يصحبه اهتمام عمومي بألوان التصوف والديانات غير المسيحية، وازداد في الستينيات من القرن العشرين على امتداد سواحل كاليفورنيا وانتشر في العقود التي تلت ذلك الى سائر أرجاء أمريكا.